الخميس

(همٌ أسود)




هل أمارس غربة الروح,أم تمارس الروح غربتي! أكتوي بلظى أطوف بسببه في عوالم الألم والحسرة,وتلسعني الآهات,وتمطر عيناي بوابل لايهدأ حتى خفت على جوانحي فدعوت: اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر! لاأعلم ماهو نوع الهم الذي يلفني , ويلتحف بي؟ هل هو حزن جاثم مترسب في عوالم النفس وغاباتها بسبب تراكم غم دفين على بقايا دفين,أم هي غربة الجسد الذي أحس بها أينما وجهت ويممت,أم إنها خربشات تفكيرية أشعلت بها وقود ذاكرتي فأضحيتُ ممن يشقى بالنعيم بعقله!! كل هذه وتلك .. ومازلت لاأعرف كنه حزن يدثرني بين حين وآخر
..مازلت أفكر ماالذي يعروني فأبكي .. ينتابني فأهيم على وجهي المصفر الذي أضناه جوى يفيض وعبرة تترقرق! أواااه .. قصيدة حزن تطربني..ونغمة آهة تشدني .. وأبيات اكتوت بلظى الهم , أجد لها طريقا في القلب يبسا.. هل هو مذهب رومانسي مسني كما يمس الجان بشرا؟ أم هي نظرة القتامة لحياة يبشرك أحدهم بأنها ستضحي جميلة حين تكون كذلك..أم إنه التحطم والانكسار عند أول صخرة عثرت بها قدماي في طريق الإبداع والمعرفة .. لاأعرف , وهل أريد أن أعرف!!
مسحة حزن أتزيا بها في عرش نفسي .. وأخرى أتوسدها لتبتل بدموع عيناي..وثالثة أنهنهها فتأبى إلا أن تجثم قهرا عن كل سلاح أحاربها فيه! أركب قاربا في بحر لجي يغشاه هم من فوقه حزن من فوقه عذاب .. ظلمات فوقها فوق بعض .. أسافر بجسدي ذات اليمين وذات الشمائل .. لكن حزني يأبى أن يسافر عني بل إن ضلوعي أضحت صالة قدوم لهموم من أصقاع المعمورة .. بعضها على شكل هبوط اضطراري .. وأخرى كنت أنتظرها..هموم تستحق أن تأكل الجوى ..وأخرى – وماأكثرها- هموم كالسموم..إن أغلقت عنها بابا فتحت آخر.. وإن قفلت عني .. أوصت أخواتها بي !! أساءل نفسي وقنا الهم يقرع القنا .. وموج الدموع حولها متناثرُ! هل سأصرع الهم ..أم يجثم فلا يرحل .. أو يختفي عن جواي فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان بعيد..شاب قلبي بهمي .. قبل أن يفرح بشبابه .. ويح نفسي ويحها..!!

هكذا يوم الرحيل ...




ودَّعَتْنا قبل خمسة من الشهور.. رحلت عنا بلا زاد أو متاع.. إلا عملها الصالح بإذن الله.. وكعادة الوداع، بكاء ونشيج ودموع.
كنتُ أحملها على كتفي مع ثلاثة من الرجال، لنحط جسدها تحت الثرى، وكنتُ أنهنه دموعاً حرى أفلتت بحرقة من عينيّ، طالعتُها وهي تُوسَّدُ ثراها، وفي بيتها البرزخي، فانثالت على ذاكرتي عشرات المواقف الجميلة التي التقّطَتْها ذاكرتي لها..
رمقت القبر رمقة مودعٍ باكٍ حزين.. أخذتُ حثناتٍ من تراب، لأغطيها بها، فاختطلت بماء عيوني الذي يأبى إلا أن يسلك طريقه! وداعاً جدتي..
وداعاً أيتها البسمة المنثالة.. وداعاً أيها الحب الطري الذي يسري في عروقنا جميعاً.. أرى طيفك في ركن صالتنا، وأنتِ تسامريننا، وتضفين على مكاننا عبق كلامكِ وعبق حضوركِ..
أرى هديتكِ الغالية على قلبي والتي أقسم ألا أنساها.. تلك الهدية التي أعطيتنيها يوم زواجي.. وأنتي تلثمينني.. وتبكين! وإن نسيتُ فلن أنسى جسدك بهزاله، حينما اخترمتكِ الأمراض والسنون، فصرتُ لا أستطيع أن أضع عيني عليكِ رأفة ورحمة.. يوم مُلّحَّفُ بالسواد.. هو يوم العزاء، العزاء لي أنا! العزاء لكم أيها الباكون..
العزاء لبناتك ومحبيك.. وفي يوم الوداع، لثمتُكَ - خالي العزيز- دعوت الله أن يجبر عزاءك بأمِّنا.. وبكيتك أنتَ أيضاً كنتُ أراك وأنت تحملها من مكان إلى مكان.. كنتَ تحملها بين يديك كطفل صغير.. كنت حاناً باراً بها.. مَلأتّ عليها أرجاء دارك.. كأني أراك وأنت تدخل بيتَك بعد رحيلها.. تنظر أثر مكانها.. وطيف خيالها.. كلامها الخافت المثقل بالمرض.. كأني أراك وأنت تسقط على فراشها الخالي.. تلثمه.. وتبكي بحرقة.. لقد رَحَلتْ عن دنيانا.. لكنها باقية بقلوبنا.. عزاؤنا أننا كلنا راحلون.. وإلى الدار الآخرة سائرون.. وداعاً جدتي..!!

فلسفة التحطيم...!





يحتقر الكبار ماتقوم به؛لأنهم عرفوك صغيراً.. ويغار منك مجايلوك؛لأنّ حسد الأقران  جار في عروقهم.. ويتجاهل الصغاركلّ حراك معرفي منك؛ لأنّ عقولهم دون ماتقول  ، وما تكتب..
ويسألونكـ عن "المبدعين" في بيئة موبوءة بالتحطيم.

راندي باوش.





يتجافون في فرشهم يؤرقهم ألم حبّ.. أو طعنة مرض .. أو آهة حزن.. ووحدهم التواقون للمعالي من يُمهرون القراءة سهر الليالي .. ومن يتقلبون على حصير الصبر .. ويتجرعون صبر السنين.. ليسعدوا بتاج المعرفة مزدانة به رؤوسهم .. وكلما فترت همة (الفتى) أضاءت له قصة راندي باوش حينما أتى لأمه شاكيا هم مرحلة الدكتوراه, فقالت له: كان والدك في مثل سنّك محاربا للألمان..!
في عالم المثل العليا: وجّه بصيرتك على من علت همته .. فطال همّه ..!!

منامات التخلّف !



ينامون يوم يقوم الناس، وينأون عن كل غذاء يباعدالأسقام، ويقرؤون لغة الجهل حينمايغشى غيرهم أبجديات العلم،والمعرفة، وحتى في أفراحهم يعزفون على وترالفوضوية،ويغتالون ثقافة الأنس بسكين الغفلة،يكثرونمن التنظيرويسلقون غيرهم بألسنة حداد.. ثم يتساءلون بعد ذلك: لماذا !تقدموا وتخلفنا؟

عاهةٌ تفجر إبداعاً...!



لاتجعل من عاهتك أو خوفك أو نقصك عقبة في طريق إبداعك فكثير من المبدعين في مجالاتهم قد جعلوا من محنهم منحا تقودهم لمرادهم فهتلر الذي هز العالم براجماته , كانت تخيفه الفأرة , والرافعي الذي شوى العقاد على سفوّده كان أصما, وكان الجنون تهمة وُصم بها (أنشتاين) فردّ على العالم بنسبيّته, ولو لم يكن (مانديلا) أسودا لما طارت شهرته في آفاق الحرية ..!
 

ظلّ يقاسي حبي...



يركض في مضمار قلبي, وأسمع صوته كتغريدة طير في صباح جميل.بطلّته أنشُدالسكينة,وبهمسته تعروني مشاعرُ يرقص لها القلم,أراسله فيعذبني بصمته.. أهاتفه فتنطق نغمة جواله بألا وصال في هذه الساعة..يكسر قلبي المتخم به, فيرمم الأشلاء المتناثرة برؤيته التي يسألني فيها:  أين أنت؟  وكأنني لم أطرق كلّ زاوية باحثا عن رائحة حبه .. أحبه لكنّه سادي يجيد فن التعذيب ..! فاقرأ حروفيلتسعد كثيرا أيها السادي..!

يحاولون إيقاظ عملاقٍ ميّت ..!



تأمّلت في حال كثير ممن يحاضر فينا عن تطوير الذات واطلاق العملاق وتحفيز الذاكرة, فلم أجد منهم من طوّر ذاته ليصنع شيئا مفيدا , ولم يطلق عملاقه فيؤلف كتابا يملأ الدنيا ضجيجا , ولكنّه التنظير , الذي يخدّر الأرواح , ويسرق الأموال .. كفّوا عن اللعب بعقولنا ..!

فقيرٌ في دنيا المثقفين...!

حين يكتب المثقف عن أزمة التخلّف.. ويحترق السياسيّ في تحليل معقّد .. وينشِدُ الأديب شعره الحداثي ..
ويتراقص الفيلسوف على كلماته البراغماتية .. ينزوي الفقير عنهم باحثا عن لقمة عيشه ..!

عامّة الناس في واد.. والمثقفون في واد ..

من وحي مَعْرِضِ الكتاب قُرَّاءٌ أم مُتَسَوِّقُون؟


تلك الجموع التي حطَّت رحالها في معرِض الكتاب تجعلنا مستفهمين كما استفهم الكاتب «شتيوي الغيثي» في إحدى تغريداته التي قال فيها: «هل يقرؤون أم هي مجرد حالة استهلاكية؟».
والمتطلعون للمعارف لا يريدون من معارض الكتب أن تكون مركزاً هدفه الالتقاء بالأصدقاء، والنظر في وجوه المشاهير، واقتناء بعض الروايات التي لن تعرف طريقها للقراءة. وإنما يريدون من هذا السواد العظيم الذي ملأ أرجاء المكان أن يكون همه القراءة، وغايته الثقافة، وسلاحه النهم بالمعرفة.
وتلك الاحتفائية الكبيرة بعالم المكتبة والكتاب، تشد من عزمنا وإصرارنا بأن نكون أمة قارئة ترتقي بأفكارها، لا أمة فخورة بملء حُجُرات بيوتها بالكتب وأرواح أهليها خواءٌ جوفاء.
وما تركت أمةٌ القراءة إلا أذلها الله بالهوان والذلة والمسكنة. وكيف نرجو رفعة وسمواً وحظنا من متوسط القراءة لا يزيد عن ست دقائق في العام الواحد؟!!
وكثيراً ما تساءلتُ عن هذا الجدْب والقحط والانصراف عن دنيا القراءة، ذلك الجدب الذي جعلنا لقمة سائغة في أفواه المبتلَين بالسُّعار المالي الذين أطلقوا تدريباتهم لإيقاظ العملاق وإطلاقه، وأرباب القراءة السريعة، الذين لم نعرف مؤلفات كثير منهم أو نرَ عمالقتهم مطلقة بين الناس وتمشي في الأسواق!!
ياترى! هل في العرب جيناتٌ تمنعهم من القراءة، ولم ذاك العزوف عن مرابع العلم، وتكايا المعرفة؟! هذه الأسئلة الملِحَّة تجعلنا أمام أشياء كثيرة لهذا الانصراف عن عوالم الحرف، ليس من بينها الفقر الذي يعوِّل عليه كثير ممن كتب عن هذا الهروب، ذلك أنَّ مجتمعنا الخليجي مجتمع يرفل بالنعمة والعافية، ولكنه يمتاح من بحور كثيرة غير بحر القراءة الذي لا ساحل له. وقديماً قالوا بأن «الفقر تحت عمائم الفقهاء» وهم الذين لم يمنعهم فقرهم عن تمايلهم طرباً لحل عوائص المسائل، ولسنا بمنأى عن المقولة التي تبيِّن بأن «الأدب لا يُؤكل عيشًا»، ومن الأدباء فقير قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما تنكبوا طريق المعرفة أو حادوا عنها.
والحقُّ أن القراءة موهبة يزرعها الله فيمن يشاء من عباده، ولو سُطِّرت الكتب والمقالات في القراءة والتحبيب لها، لما صار لها أثر في إنسان لم تُخلق فيه هذه الموهبة، وإنما يُكتب ما يُكتب لمن تخبو في وجدانهم جذوة القراءة، فيأتي من يثيرها ويشعلها، وكم رأينا من آباء نهمة في القراءة، لا يخرجهم من مكتباتهم إلا داعي الصلاة أو النوم أو الموت، ولهم أبناء جمعوا من الفهاهة والحمق والخرق من لو وزع على أهل الأرض لكفاهم! وكيف نقول للناس: اقرؤوا وهم من موهبة القراءة براء، وهل رأيتَ من يحاضر أمام جمع من الشباب عن أهمية كرة القدم وطريقة تسجيل أهدافها، وهم لا يملكون أدواتها وآلاتها؟!
ومع هذا كلِّه فهناك أسباب فرعية أدت إلى ضمور المحبة للقراءة، وأحسب أنَّ منها قصص الهمة التي تُثبِّط الهمة، كمن يروي للناشئة أن فلاناً يقرأ في يومه ما يربو عن العشرين ساعة!
أو كمن يروي أنَّ من شروط القراءة الجادة العزوف عن الناس والانكفاء على النفس. ومثل هذه الأخبار التي تَفتُّ من عضد الشباب، وتورث في نفوسهم الاحباط، وتوهن من عزائمهم لا تصنع إلا بيئة طاردة عن هذه المملكة القرائية، وليس ببعيد عن هذا، المقولة التي توصي بأن تقرأ كل ما يقع بين يديك..! وقد رأيتُ أحدهم وقد ابتدأ حياته القرائية بكتاب «قصة الحضارة» ثم تنكب وانتكس؛ لأنه عرف من تلك المقولة أن القراءة فوضى خلاَّقة أو غير خلاَّقة أينما توجهت لها أتتك بخير، وهل ثمة ثقافة تأتي بغير التدرُّج! وكيف نريد من أمتنا أن تكون أمة قارئة ونحن مازلنا نكافح الأمية والتصحر العقلي، وكيف لنا أن نكون أمة ترقى كلما قرأت ونحن في هرم الأوليَّات متنكسون منتكسون، وأدَّى ذلك إلى ضعف في مخرجات التعليم، وإلى فقد الثقة بالنفس ولو أردت أن تعرف حجم انحطاط الثقة بالنفس، فانظر إلى العيِّ والخطل والعجز عن الكلام في كل مقابلة فضائية يكون أبطالها أحد من شبابنا.
والقراءة جزء من التربية التي توقظ في نفوس الأبناء مواطن الموهبة. وتربية بلا قراءة تربية يكتنفها النقص. وعلى المربِّين أن يعلِّموا من تحت أيديهم الهدف من الكتاب والغاية من القراءة.
ولعمري! كيف لك أن تُقنع من أسَرَّ في نفسه أو أبدى مكنونه بأنه لن يقرأ؛ لإحساسه بالقناعة والاكتفاء الذاتي؟!
وعارٍ على أمة «اقرأ» أن تكون القراءة في ذيل الأوليات وربما هي خارجها. ولن يكون لعقلك الحياة حتى تبث فيه روح الحرف.
وأخيراً: «إن الكتاب وهو ملقى على الرف أشبه بالجسم الميِّت تدب فيه الحياة إذا ما امتدت له يد القارئ» كما يقول ساتر
تلك الجموع التي حطَّت رحالها في معرِض الكتاب تجعلنا مستفهمين كما استفهم الكاتب «شتيوي الغيثي» في إحدى تغريداته التي قال فيها: «هل يقرؤون أم هي مجرد حالة استهلاكية؟».
والمتطلعون للمعارف لا يريدون من معارض الكتب أن تكون مركزاً هدفه الالتقاء بالأصدقاء، والنظر في وجوه المشاهير، واقتناء بعض الروايات التي لن تعرف طريقها للقراءة. وإنما يريدون من هذا السواد العظيم الذي ملأ أرجاء المكان أن يكون همه القراءة، وغايته الثقافة، وسلاحه النهم بالمعرفة.
وتلك الاحتفائية الكبيرة بعالم المكتبة والكتاب، تشد من عزمنا وإصرارنا بأن نكون أمة قارئة ترتقي بأفكارها، لا أمة فخورة بملء حُجُرات بيوتها بالكتب وأرواح أهليها خواءٌ جوفاء.
وما تركت أمةٌ القراءة إلا أذلها الله بالهوان والذلة والمسكنة. وكيف نرجو رفعة وسمواً وحظنا من متوسط القراءة لا يزيد عن ست دقائق في العام الواحد؟!!
وكثيراً ما تساءلتُ عن هذا الجدْب والقحط والانصراف عن دنيا القراءة، ذلك الجدب الذي جعلنا لقمة سائغة في أفواه المبتلَين بالسُّعار المالي الذين أطلقوا تدريباتهم لإيقاظ العملاق وإطلاقه، وأرباب القراءة السريعة، الذين لم نعرف مؤلفات كثير منهم أو نرَ عمالقتهم مطلقة بين الناس وتمشي في الأسواق!!
ياترى! هل في العرب جيناتٌ تمنعهم من القراءة، ولم ذاك العزوف عن مرابع العلم، وتكايا المعرفة؟! هذه الأسئلة الملِحَّة تجعلنا أمام أشياء كثيرة لهذا الانصراف عن عوالم الحرف، ليس من بينها الفقر الذي يعوِّل عليه كثير ممن كتب عن هذا الهروب، ذلك أنَّ مجتمعنا الخليجي مجتمع يرفل بالنعمة والعافية، ولكنه يمتاح من بحور كثيرة غير بحر القراءة الذي لا ساحل له. وقديماً قالوا بأن «الفقر تحت عمائم الفقهاء» وهم الذين لم يمنعهم فقرهم عن تمايلهم طرباً لحل عوائص المسائل، ولسنا بمنأى عن المقولة التي تبيِّن بأن «الأدب لا يُؤكل عيشًا»، ومن الأدباء فقير قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما تنكبوا طريق المعرفة أو حادوا عنها.
والحقُّ أن القراءة موهبة يزرعها الله فيمن يشاء من عباده، ولو سُطِّرت الكتب والمقالات في القراءة والتحبيب لها، لما صار لها أثر في إنسان لم تُخلق فيه هذه الموهبة، وإنما يُكتب ما يُكتب لمن تخبو في وجدانهم جذوة القراءة، فيأتي من يثيرها ويشعلها، وكم رأينا من آباء نهمة في القراءة، لا يخرجهم من مكتباتهم إلا داعي الصلاة أو النوم أو الموت، ولهم أبناء جمعوا من الفهاهة والحمق والخرق من لو وزع على أهل الأرض لكفاهم! وكيف نقول للناس: اقرؤوا وهم من موهبة القراءة براء، وهل رأيتَ من يحاضر أمام جمع من الشباب عن أهمية كرة القدم وطريقة تسجيل أهدافها، وهم لا يملكون أدواتها وآلاتها؟!
ومع هذا كلِّه فهناك أسباب فرعية أدت إلى ضمور المحبة للقراءة، وأحسب أنَّ منها قصص الهمة التي تُثبِّط الهمة، كمن يروي للناشئة أن فلاناً يقرأ في يومه ما يربو عن العشرين ساعة!
أو كمن يروي أنَّ من شروط القراءة الجادة العزوف عن الناس والانكفاء على النفس. ومثل هذه الأخبار التي تَفتُّ من عضد الشباب، وتورث في نفوسهم الاحباط، وتوهن من عزائمهم لا تصنع إلا بيئة طاردة عن هذه المملكة القرائية، وليس ببعيد عن هذا، المقولة التي توصي بأن تقرأ كل ما يقع بين يديك..! وقد رأيتُ أحدهم وقد ابتدأ حياته القرائية بكتاب «قصة الحضارة» ثم تنكب وانتكس؛ لأنه عرف من تلك المقولة أن القراءة فوضى خلاَّقة أو غير خلاَّقة أينما توجهت لها أتتك بخير، وهل ثمة ثقافة تأتي بغير التدرُّج! وكيف نريد من أمتنا أن تكون أمة قارئة ونحن مازلنا نكافح الأمية والتصحر العقلي، وكيف لنا أن نكون أمة ترقى كلما قرأت ونحن في هرم الأوليَّات متنكسون منتكسون، وأدَّى ذلك إلى ضعف في مخرجات التعليم، وإلى فقد الثقة بالنفس ولو أردت أن تعرف حجم انحطاط الثقة بالنفس، فانظر إلى العيِّ والخطل والعجز عن الكلام في كل مقابلة فضائية يكون أبطالها أحد من شبابنا.
والقراءة جزء من التربية التي توقظ في نفوس الأبناء مواطن الموهبة. وتربية بلا قراءة تربية يكتنفها النقص. وعلى المربِّين أن يعلِّموا من تحت أيديهم الهدف من الكتاب والغاية من القراءة.
ولعمري! كيف لك أن تُقنع من أسَرَّ في نفسه أو أبدى مكنونه بأنه لن يقرأ؛ لإحساسه بالقناعة والاكتفاء الذاتي؟!
وعارٍ على أمة «اقرأ» أن تكون القراءة في ذيل الأوليات وربما هي خارجها. ولن يكون لعقلك الحياة حتى تبث فيه روح الحرف.
وأخيراً: «إن الكتاب وهو ملقى على الرف أشبه بالجسم الميِّت تدب فيه الحياة إذا ما امتدت له يد القارئ» كما يقول ساتر.

" نظرة في رواية الكراديب"


قالت العرب قديما : " الشعر ديوان العرب " , وذلك عندما كان العربي الأول قد ملأ قصيدته رأيا وحكما ولغة وثقافة , وكان العرب حينها يحتفلون بمولد شاعر فيهم , فهل أضحت الرواية العربية الحديثة في عصرنا الحاضر هي ديوان العرب الجديد , خصوصا وأن الركب الإعلامي , والمتلقي العادي , قد تلقفها , والتهمها , وخير شاهد على ذلك معارض الكتب خصوصا في السنوات الأخيرة , إذ أضحت الروايات مقصدا للزائرين , وغرضا للمطلعين . وشيوع الرواية وتلقفها ظاهرة مقلقة عند بعض النقاد والدارسين , فالدكتور : محمد الأحمري مثلا يرى أنه كلما كثر تلقف الرواية , قل الطلب على الكتب الشرعية . والنفس الروائي بطوله مدعاة لزج كثير من الإسقاطات والرؤى التي يتطلع إليها الكاتب السردي , والخشية كل الخشية عندما يبث مجونه وفسقه باسم بطل الرواية , ورحم الله الرافعي عندما قال : عندما تقرأ رواية سيئة تجد أن أشياء في نفسك بدأت تسفل فيك ! ! والتلقي الروائي والنهم الكتابي في السنوات الأخيرة قد كان في كمه الغزير , وهذا ماأثبته الباحث : خالد اليوسف في كتابه الذي وضع فيه سردا لكل ماألف في الرواية السعودية .
وبين أيدينا رؤية نقدية لرواية (الكراديب) لتركي الحمد , الطبعة الخامسة عام 2006م.
نحاول أن نسلط الضوء على بعض مانعترض عليه في الرواية

1- تبث الرواية بعض الأخطاء العقدية , أو الفكرية على طريقة الأسلوب الخبري , وذلك مثل :
" وابتسم هشام بمرارة وهو يقول : الله أعلم ! مسكين أنت ياالله !! دائما نحملك مانقوم به من أخطاء"  ص(62).
2- " بل الانتحار تحد لله نفسه " ص (78)
3- " هذا إن كان هناك إله " ص(78) .
4- " الانتحار نصر على الله ففي الانتحار تفوت الفرصة على الله أن يختار لك مصيرك , فأنت تدخل النار بإرادتك , حين تنتحر وتعلم أن مصيرك هو النار.ليس الله هو من أخلك النار ,بل أنت من فعل " ص(78).
5-" فإذا دخلت النار فبإرادتي , وإذا دخلني الله الجنة فأكون قد فرضت إرادتي عليه , لقد توعدني بالنار فيما لوانتحرت , ولكنه أدخلني الجنة برغم الوعيد , لقد فرضت إرادتي عليه ,وجعلته يغير وعيده , لقد أصبحت ندا له " ص: (78).
6-" حسنا سوف ننسى الله نفسه بعد قليل" ص(106).
7- " كان الشيعة مع الحق كانوا مع علي بن أبي طالب في مواجهة أبي بكر وعمر وعبيدة أصحاب المؤامرة لنزع الحق من أهله : ص(125).
8-" لو أتى ابن أبي طالب لتحولت إلى كالوثيكية " ص(126) .
9-ويقولون إن الإنسان كائن حر ..خزعبلات ليس لها سند أو برهان .. ماأتعسك أيها الإنسان لما رضيت بحمل الأمانة التي رفضتها السماوات والأرض " ص(134).
10-وأدرك لماذا تحارب الأديان الانتحار .. إنها مقص الرقيب على السيناريو , فلو انتحر الجميع لفسدت المسرحية , وصاحب المسرحية لايريدها أن تفسد "
ص(139).
11- لا ..لايمكن أن يحدث ماتقولون , فالله لايرضى بالظلم ولكنه رضي بما هو أشد !! " ص(190).
    *وقد عمدت الرواية إلى أسلوب آخر في بث مثل هذا أو أشنع , وهو أسلوب الاستفهام المليء بالحيرة والشك , مثل :
1- نهرب من قضاء الإله لنقع في قضاء المخلوق , وكلها أقضية في أقضية , هل هناك عبث أكثر من ذلك ؟ " ص(74).
2- فإن القدر والعبث ذات الشيء ربما ! ص(74).
3- لقد أدخلت الله في الموضوع رغم أني لاأؤمن به جملة وتفصيلا . هل الله إيمان أم اقتناع أم إحساس ياعارف ؟ " ص(80).
4- وهذا العبث الذي يعبث بنا , ولكن هل هو عبث أم قدر ؟ فقد يكون العبث قدرا , وقد يكون القدر عبثا , وقد يكون لاهذا ولا ذاك . لا أدري .. لا أدري "
ص(135) .
5- لا أحد يدري , فالله والشيطان واحد هنا , وكلاهما وجهان لعملة واحدة "
ص : (137)
6-" ماذنبه إذ سكر نوح وزنت بنات لوط مع أبيهم في كتاب يقولون إنه كلماتك وإرادتك " ص(137).
7-لم لاتكون ذات الحياة مشكلة , لو كان ذات الله , لألغى الحياة ذاتها"
ص(138).
8- " وهو لايأخذ (( يقصد الموت)) إلا أرواح الطيبين أما الأشرار فهم يلبثون في الحياة دهورا .. هل من حكمة وراء ذلك كله أم أنه عبث ولا معنى " ص(185) .
9- بأي منطق يموت طفل صغير لم يتنسم ريح الحياة وأريج الزهزور …"
ص(214).
<< هذه الجدلية بين الأسلوب الخبري والأسلوب الاستفهامي الحائر , هي عمود قامت عليه البنية في الرواية , وكلها تصب في خانة الملاحظات العقدية والفكرية التي يجب أن نتوقف عنها طويلا , وما ذكر في أعلاه غيض من غيض امتلأت به أخاديد هذه الرواية , وأما الزاوية الماجنة / الأخلاقية فقد توزعت على هيئة ومضات في زوايا الرواية , والمقام العلمي هنا يترفع عن ذكرها ..

ثبتنا الله على طاعته .. وحمى عقولنا وأخلاقنا من الزيغ والضلال.