قالت العرب قديما : " الشعر ديوان العرب " , وذلك عندما كان العربي الأول قد ملأ قصيدته رأيا وحكما ولغة وثقافة , وكان العرب حينها يحتفلون بمولد شاعر فيهم , فهل أضحت الرواية العربية الحديثة في عصرنا الحاضر هي ديوان العرب الجديد , خصوصا وأن الركب الإعلامي , والمتلقي العادي , قد تلقفها , والتهمها , وخير شاهد على ذلك معارض الكتب خصوصا في السنوات الأخيرة , إذ أضحت الروايات مقصدا للزائرين , وغرضا للمطلعين . وشيوع الرواية وتلقفها ظاهرة مقلقة عند بعض النقاد والدارسين , فالدكتور : محمد الأحمري – مثلا – يرى أنه كلما كثر تلقف الرواية , قل الطلب على الكتب الشرعية . والنفس الروائي بطوله مدعاة لزج كثير من الإسقاطات والرؤى التي يتطلع إليها الكاتب السردي , والخشية كل الخشية عندما يبث مجونه وفسقه باسم بطل الرواية , ورحم الله الرافعي عندما قال : عندما تقرأ رواية سيئة تجد أن أشياء في نفسك بدأت تسفل فيك ! ! والتلقي الروائي والنهم الكتابي في السنوات الأخيرة قد كان في كمه الغزير , وهذا ماأثبته الباحث : خالد اليوسف في كتابه الذي وضع فيه سردا لكل ماألف في الرواية السعودية .
وبين أيدينا رؤية نقدية لرواية (الكراديب) لتركي الحمد , الطبعة الخامسة عام 2006م.
نحاول أن نسلط الضوء على بعض مانعترض عليه في الرواية
1- تبث الرواية بعض الأخطاء العقدية , أو الفكرية على طريقة الأسلوب الخبري , وذلك مثل :
" وابتسم هشام بمرارة وهو يقول : الله أعلم ! مسكين أنت ياالله !! دائما نحملك مانقوم به من أخطاء" ص(62).
4- " الانتحار نصر على الله ففي الانتحار تفوت الفرصة على الله أن يختار لك مصيرك , فأنت تدخل النار بإرادتك , حين تنتحر وتعلم أن مصيرك هو النار.ليس الله هو من أخلك النار ,بل أنت من فعل " ص(78).
5-" فإذا دخلت النار فبإرادتي , وإذا دخلني الله الجنة فأكون قد فرضت إرادتي عليه , لقد توعدني بالنار فيما لوانتحرت , ولكنه أدخلني الجنة برغم الوعيد , لقد فرضت إرادتي عليه ,وجعلته يغير وعيده , لقد أصبحت ندا له " ص: (78).
7- " كان الشيعة مع الحق كانوا مع علي بن أبي طالب في مواجهة أبي بكر وعمر وعبيدة أصحاب المؤامرة لنزع الحق من أهله : ص(125).
9-ويقولون إن الإنسان كائن حر ..خزعبلات ليس لها سند أو برهان .. ماأتعسك أيها الإنسان لما رضيت بحمل الأمانة التي رفضتها السماوات والأرض " ص(134).
10-وأدرك لماذا تحارب الأديان الانتحار .. إنها مقص الرقيب على السيناريو , فلو انتحر الجميع لفسدت المسرحية , وصاحب المسرحية لايريدها أن تفسد "
ص(139).
11- لا ..لايمكن أن يحدث ماتقولون , فالله لايرضى بالظلم …ولكنه رضي بما هو أشد !! " ص(190).
*وقد عمدت الرواية إلى أسلوب آخر في بث مثل هذا أو أشنع , وهو أسلوب الاستفهام المليء بالحيرة والشك , مثل :
1- نهرب من قضاء الإله لنقع في قضاء المخلوق , وكلها أقضية في أقضية , هل هناك عبث أكثر من ذلك ؟ " ص(74).
3- لقد أدخلت الله في الموضوع رغم أني لاأؤمن به جملة وتفصيلا . هل الله إيمان أم اقتناع أم إحساس ياعارف ؟ " ص(80).
4- وهذا العبث الذي يعبث بنا , ولكن هل هو عبث أم قدر ؟ فقد يكون العبث قدرا , وقد يكون القدر عبثا , وقد يكون لاهذا ولا ذاك . لا أدري .. لا أدري "
ص(135) .
5- لا أحد يدري , فالله والشيطان واحد هنا , وكلاهما وجهان لعملة واحدة "
ص : (137)
7-لم لاتكون ذات الحياة مشكلة , لو كان ذات الله , لألغى الحياة ذاتها"
ص(138).
8- " وهو لايأخذ (( يقصد الموت)) إلا أرواح الطيبين أما الأشرار فهم يلبثون في الحياة دهورا .. هل من حكمة وراء ذلك كله أم أنه عبث ولا معنى " ص(185) .
ص(214).
<< هذه الجدلية بين الأسلوب الخبري والأسلوب الاستفهامي الحائر , هي عمود قامت عليه البنية في الرواية , وكلها تصب في خانة الملاحظات العقدية والفكرية التي يجب أن نتوقف عنها طويلا , وما ذكر في أعلاه غيض من غيض امتلأت به أخاديد هذه الرواية , وأما الزاوية الماجنة / الأخلاقية فقد توزعت على هيئة ومضات في زوايا الرواية , والمقام العلمي هنا يترفع عن ذكرها ..
ثبتنا الله على طاعته .. وحمى عقولنا وأخلاقنا من الزيغ والضلال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق