الأربعاء
في اللحظة التي تتوسد ابنتك فراشها الوثير،وحين يلهث ابنك راكضاً خلف كرةٍ ترسم معالم سعادته ..رجوتك حينها أن تنظر إلى طفلةٍ تكتحل عيناها بالخوف،وينبض قلبها بالوجل،وتصبح لبنةً جديدةً في جدار المأساة،تلبس للعيد ثوباً مرقّعاً برائحة الموت،وتنظرإلى من يصورها نظرة الرحيل،شاب قلبها الصغير قبل أن تنمو أحلامها التي اقتلعها اليتم..يركض طفلك سعيداً لاهيا مستمتعاً بالألعاب النارية في نهار عيده،ويركض هذا الحزن المتلبّس في ثوب صغيرة مختبئاً بجسدها باحثاً عن أمان ولو في شق جدار..أيتها المأساة!كيف يلقى ربهم أولئك الذين لايهنئون إلاّ باغتيال الطفولة،باغتيال البراءة،باغتيال الحياة في قلوبٍ تنشد الحياة..!
الجمعة
غازي وأنا ...شكراً أيها الأعداء.
لم أكن أعلم أني ذات يوم سأهيم كل هذا الهيام بالرجل (الضخم)! كما كان يقول عن نفسه. في أيام الجامعة الأولى، وبينما أنا أخطو خطواتي الأولى والجادة في رحلة القراءة، وفي أوج التصنيف الفكري، حذرني أحدهم، كوني طالبا في كلية اللغة العربية، ألا أقرأ نتاج هذا الرجل، حتى لاأصاب بلوثة في عقلي! انتابني الفضول وشعرتُ بحاجة ملحة لقراءة فكر هذا الرجل، فعقدتُ العزم أن أعرف من هو, فابتدأت بكتابه: (استراحة الخميس) فاكتشفتُ فيه سلاسة الأسلوب، والميل إلى الدعابة، وحب المتنبي، وفي مقطع من هذا الكتاب، سُئل في مقابلة صحفية: ماذا تتمنى؟ فقال على الفور: بأن يغفر الله لي! خرجتُ من هذا الكتاب ولا تزال الأسئلة الملحة عن (فكره) تأخذ مجراها في ذاكرتي، فقرأتُ: (سلمى)، ولا يزال المتنبي حاضرا بقوة، عبر مذياع تلك العجوز، وعرجت على: (رجل جاء وذهب)، و(العودة سائحا إلى كاليفورنيا)، ولم أجد شيئا مما قيل عنه! بل وجدتُ حبا يتضاعف لفنه، وأسلوبه السهل الممتنع، وثقافته المبهرة، وحططتُ رحالي عند (شقة الحرية) مالئة الدنيا وشاغلة الناس، فمنهم من يقول: بأن «فؤادا» هو القصيبي، والقصيبي يقول في بداية الرواية: إن شخصيات الرواية ليس شرطا أن يكونوا حقيقيين، وكلامه يذكرني بالروائية الجزائرية: أحلام مستغانمي، التي قالت في روايتها: (ذاكرة الجسد): «الروائيون يسيرون على حافة الحقيقة، وقليل من يحترفها». رواية (شقة الحرية) لم أكن لأقرأها لولا أني قلتُ لأحدهم: مازلت أريد معرفة «فكر الرجل»، فقال: ستجده في تلك الرواية. ولم أجده! وأظن أن الثورة التي كانت ضد هذه الرواية بسبب الأفكار، والنظرات الجديدة التي سبقت عصرها، ولو ولدت تلك الشقة في يومنا هذا لما كانت مدوية كسابق عهدها، ولم أنته من تلك الرواية حتى توجهت ل (العصفورية) والتي مايزال وقع حروفها في وجداني، ولا أزال متعجبا من تلك الاحترافية التي كتبها بها، والقدرة على زج هذا الكم الهائل من المعرفة، حتى أن أحد النقاد لم يعدها «رواية»، وإنما قال عنها «بأنها نص مثقف»، وقد مررت بقراءاتي لمؤلفات «القصيبي» بكتابه الذي شكل في داخلي منعطفا تاريخيا لاأزال أعيشه، وذلك من خلال: «حياة في الإدارة» الذي أكاد أحفظه عن ظهر قلب، فقد علمني الكتاب دروسا تطبيقية في حفظ الوقت، وبذل الوسع في العمل، والجرأة، وكسر القيود البيروقراطية، وضريبة الشهرة، والتعامل مع الأخطاء، وغيرها، فكان بالنسبة لي دستورا إداريا تعجبتُ من عدم تدريسه في جامعاتنا. ولا يعني أن أكون قد قرأت تلك الكتب أن أسلم له بكل ماقيل فيها، بل كانت لي ملاحظات على بعض تعليقاته في كتابه «ثورة في السنة النبوية»، وكتابه الآخر «باي باي لندن». إلا أن هذا لا يلغي جوانب الإبداع التي تمتلئ بها كتبه، ومن لايعمل لايخطئ، وأي الرجال المهذب!
|
ولما عرجتُ على ديوانه الشعري، رأيتُ النفس «النزاري/ الرومانسي» قد تجلى بأحسن صوره.. خصوصا في سنين شبابه.. ولا أظنه -رحمه الله- قد حورب إلا لأنه صريح ويقول مايعتقده، وهو الذي قال عن نفسه:
|
إن ساءلوك فقولي لم أبع قلمي
|
ولم أدنس بسوق الزيف أسفاري
|
وقصيدته (معركة بلا راية) تنبئك عن هذا، ووجدت له كتابا في النت اسمه (حتى لاتكون فتنة) وفيه خطاب لمجموعة من طلبة العلم إبان حرب الخليج عندما كان الحوار محتدما بينهم في تلك الفترة، ولم أكن أعرف أنه -رحمه الله- كان له رأيه في النقد الشعري حتى قرأت كتابه المعنون ب (بيت) وقد دونتُ كثيرا من آرائه النقدية التي سجلها في هذا الكتاب، وكانت مثيرة لمن يقرؤها، مستفزة لبعض النقاد، واضعا إجابة للتساؤل الذي يقول: هل الشاعر ناقد أم لا؟
|
وفي كتابه «سيرة شعرية» بين أنه لو أراد أن يكون شاعرا فذا لفعل»!! ولم يكتف بكتابة الشعر، ولا بنقده فحسب، إنما اختار قصائد أعجبته ووضعها بين دفتي كتاب، ومن هذه القصائد، قصيدة: «مالك بن الريب التميمي، يرثي نفسه»، وفيها ورد ذكر ل (سهيل) فألهمه هذا بأن يسمي ولده الأكبر (سهيلا)..
|
وكلما قرأت كتابا عجبتُ من غزارة ثقافته، وأكاد أقول: إن كل كتاب أستلهمه، لا أجد فيه تشابها مع آخر، وعجبت أكثر عندما قال في مقابلة صحفية: إن آخر كتاب قرأته هو: (كتاب الأغاني لأبي الفرج) وعدها القراءة الثالثة لهذا الكتاب!! فكيف يقضي الأستاذ الجامعي، والعميد، والوزير، والسفير، والأب، والشاعر، والروائي، والمثقف، والمؤلف، غازي القصيبي وقته بين كل هذا، حفظ الوقت هو الفيصل! وهو الذي قال عن نفسه: «غير مرتبط بأي التزام اجتماعي، حتى لعب البلوت، ليس عندي وقت لها!».
|
إنه كما يقول عن نفسه: كان يقضي وقته بين «المنزل والمكتبة والعمل»، حتى إنه لما عين معيدا في جامعة الرياض/ الملك سعود، لم يكن له مكتب في الجامعة، فكان يقضي وقته في المكتبة من الثامنة صباحا وحتى الثانية ظهرا، ولما أسند إليه تدريس مادة يحس بأنه لا يملك معلومات كافية عنها، سافر إلى بيروت ومكث أشهرا في مكتباتها، حتى يمتلئ معرفة بما يريد أن يحاضر عنه!
|
إن هذا النجاح الذي لف هذا الرجل لم يكن ليتأتى لولا حرصه على الوقت، وهو القائل عن نفسه أيضا: «إن أعدائي قبل أصدقائي، يعلمون أني لم أتأخر دقيقة واحدة عن عملي أو عن موعد ما فضلا عن إلغائه»، ولم يكتف بهذا فحسب، بل وضع لنفسه بصمة في عالم ترجمة الكتب، فقد ترجم كتاب (المؤمن الصادق) ل «إيريك هوفر»، وهوالذي جعل الدكتور: سلمان العودة في برنامج (حجر الزاوية) يثني على هذا الكتاب كثيرا وعلى ترجمته الثرية..
|
ومهما طاف تجوال المرء في هذه الحياة، ومهما تعددت أماكن سكنه، في البحرين ابنا يتيما فقد أمه، ويسأل أباه: هل نحن فقراء؟ وفي مصر طالبا في كلية الحقوق، وفي أمريكا وبريطانيا طالبا في الدراسات العليا في العلوم السياسية، وفي وطنه أستاذا جامعيا، ورئيسا للسكة الحديدية، ووزيرا للصناعة والكهرباء، ووزيرا للصحة، وممثلا عن بلده سفيرا في البحرين وبريطانيا.. كل هذا الضجيج، ستحل ساعة يكتب فيها (المواسم)، الذي ما إن انتهيت من قراءته حتى خشيت على نفسي أن أموت جزعا وحسرة، وستحل ساعة يكتب فيها قصيدة (حديقة الغروب)، والتي أحدث ضجيجا، لما كتبها قبل خمس من السنين، مما حدا بالأديب الشاعر:
|
عبدالله بن إدريس، أن يكتب قصيدة يطمئن فيها غازيا، لكن هذا الشاعر المرهف قد أحس بمصيره، وقرب أجله..
|
شكرا أيها الأعداء.. أعداء هذا الطود الشامخ، فقد قرأت كل هذا له، شكرا لكم جميعا فقد جعلتموني أدعو له بالرحمة في كل ساعاتي.. شكرا لكم عدد ماحذرتم منه، وهو القائل عن كتبه الممنوعة: «إنها أكثر رواجا من الكتب التي تباع في العلن» !!..
|
أيا رب! إن عبدك «غازي القصيبي» قد أحب لقاءك، فاغفر له وارحمه واجعل قبره روضة من رياض الجنة..
|
يا عالم الغيب ذنبي أنت تعرفه
|
وأنت تعلم إعلاني وإسراري
|
وأنت أدرى بإيمان مننت به
|
علي ماكدرته كل أوزاري
|
أحببتُ لقياك! حسن الظن يشفع لي
|
أيرتجى العفو إلا عند غفار؟
|
فكم أحسستَ بدنو رحيلك وأنت القائل:
|
بعض الدروب إلى الأوطان راجعة
|
وبعضها في فضاء الله ينساب!
|
رحمك الله.. ورحم حروفك التي تقول:
|
لاتهيء كفني! مامت بعد
|
لم يزل في أضلعي برق ورعد
|
غازي.. وداعا.!
|
رمضان ..وحديث الموت...
أقسم أني وأنا أجرجر أحرفي فوق طرس \" الكيبورد\" في هذه اللحظات , أشعر بغصة في حلقي لم أستطع أن أزدردها, رغم محاولاتي في غير مرة ..
هل هلال شهر رمضان , وبدأت أجواء نفسية – لا شعورية – تختلج وجداني , وتدق بسيمفونيتها كل عرق في جسدي الذي أضناه الفراق .. أجوائي الداخلية باتت مظلمة كحالها في مثل هذه الليلة من كل عام , ولم يزدها حرقة وقتامة إلا صديقي الذي اتصل بوالده مهنئا له بهذا الشهر الكريم .. رأى عيناي ودموعهما تجريان كالنيل في فيضانه
, وجواي ملتهب بآلام لاتجسها سماعة أي طبيب . أسائل نفسي : ياترى لماذا في هذا الوقت بالذات , وماهي تلك الصبابة التي تعروني , وتذكرني بطيفه, ويحل ضيفا في كل ليلة من ليالي رمضان العامرة .. ويح نفسي ! حين يكتنفها الألم , وتحفها سحائب الذكرى .. وفجائع الموت ! أتاحشى لغير مرة أن أتصل بأخدانك الذين تودهم ,
أتحاشى أن أتصل بهم مهنئا بهذا الموسم المبارك .. إلا إن أصابع الحب لك , لاتلبث إلا أن تزرع قبلاتها في فم الجوال , لتشنف سمعي بطيفك الذي لن أبرح عليه باكيا!
هل وداعك لي - من غير أن تستأذنني – وأنا في بدايات شبابي , وفي أوليات تعلقي فيك , سبب في جمرة الوجد , التي كلما قلتُ: خبت فإذا هي تزدادت سعيرا.. أم أنه الحب الذي دثرتني به , فما رأيت حينها لسعا لبرد ولا إحساسا لقاصف من ريح الألم!
أم إن مفاتح المسؤولية التي ألقيتها على عاتقي وأنا لم أفتح دنياي على دنيا المرح , هي من جعلت حياتي متعلقة بذكراك أستشف منها عبق الذكريات , وأحلى الساعات.
رمضان طل .. وطلت معه ذكرياتك.. تراكضني إذ غدوت من أهلي نحو بيت الله تسابقني نحو الخيرات.. ألاصق كتفي بكتفك حين تحين ساعة التراويح والتلاوات .. تحثني أن أتلو القرآن وأشنف به آذان المعمورة..أرتمي في كل زاوية ساكنة أبحث فيها عن جوانحك .. فأخرج في شمس الهجير , تلفني أعاصير الشوق والحب , فأجدني أمام جسدك المتكئ في محاريب الخشوع تردد عبق الآي والذكر الحكيم.
واليوم ويح اليوم .. أصحو على نزف الوداع .. وأفطر على بقايا الأطلال .. وأصلي تراويحي , بلا روحك التي ضلتُ لها عاكفا بالحب . عشر من السنين طويت سجادتك عني لترحل بعيدا عني , لكنه الشوق , والدموع التي لاتخطئ طريقها التي رسمتها في أزقة وأخاديد وجنتاي .. إنه الوداع المر , حين يكفن بالحرمان , ويسجى باليتم , ويُلبن بالوَجد, ويوسد بلظى الفجيعة ..
أطالع وجهك تحت النخيل :: وأسمع صوتك عند النهر !
إلى أن يمل الدجى وحشتي :: وتشكو الكآبة مني الضجر
وتعجب من حيرتي الكائنات :: وتشفق مني نجوم السحر
فأمضي لأرجع مستشرفا :: لقاءك في الموعد المنتظر !
أراك في أحداق محبيك , وفي مقل جيرانك , وفي تنهدات بنيك, وفي ضحكات أقرانك.. رحلت , فأبقيت في فؤادي جرح لن أظنه سيندمل . وقفلت , لتقفل بوابات الأبوة كلها أمام ناظري .. أبقى يتيما .. وأموت يتيما .. وأبعث يتيما .. أعتصر إن سمعت ملبيا لنداءات أب يناجيه .. وأرسم عبراتي , عندما يعانق أب فلذة فؤاده , وحينما يرسم العيد بهجته ويقبل كل ابن ثرى رأس والده .. أركض بلا هدى نحو قبرك مرتميا في أحضان حجارة تطوقه.. سامحا لدموعي أن تبارك لك بالعيد : عيدك مبارك ياثرى (والدي ) .. رحمك الله !
الخميس
(همٌ أسود)
هل أمارس غربة الروح,أم تمارس الروح غربتي! أكتوي بلظى أطوف بسببه في عوالم الألم والحسرة,وتلسعني الآهات,وتمطر عيناي بوابل لايهدأ حتى خفت على جوانحي فدعوت: اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر! لاأعلم ماهو نوع الهم الذي يلفني , ويلتحف بي؟ هل هو حزن جاثم مترسب في عوالم النفس وغاباتها بسبب تراكم غم دفين على بقايا دفين,أم هي غربة الجسد الذي أحس بها أينما وجهت ويممت,أم إنها خربشات تفكيرية أشعلت بها وقود ذاكرتي فأضحيتُ ممن يشقى بالنعيم بعقله!! كل هذه وتلك .. ومازلت لاأعرف كنه حزن يدثرني بين حين وآخر
..مازلت أفكر ماالذي يعروني فأبكي .. ينتابني فأهيم على وجهي المصفر الذي أضناه جوى يفيض وعبرة تترقرق! أواااه .. قصيدة حزن تطربني..ونغمة آهة تشدني .. وأبيات اكتوت بلظى الهم , أجد لها طريقا في القلب يبسا.. هل هو مذهب رومانسي مسني كما يمس الجان بشرا؟ أم هي نظرة القتامة لحياة يبشرك أحدهم بأنها ستضحي جميلة حين تكون كذلك..أم إنه التحطم والانكسار عند أول صخرة عثرت بها قدماي في طريق الإبداع والمعرفة .. لاأعرف , وهل أريد أن أعرف!!
مسحة حزن أتزيا بها في عرش نفسي .. وأخرى أتوسدها لتبتل بدموع عيناي..وثالثة أنهنهها فتأبى إلا أن تجثم قهرا عن كل سلاح أحاربها فيه! أركب قاربا في بحر لجي يغشاه هم من فوقه حزن من فوقه عذاب .. ظلمات فوقها فوق بعض .. أسافر بجسدي ذات اليمين وذات الشمائل .. لكن حزني يأبى أن يسافر عني بل إن ضلوعي أضحت صالة قدوم لهموم من أصقاع المعمورة .. بعضها على شكل هبوط اضطراري .. وأخرى كنت أنتظرها..هموم تستحق أن تأكل الجوى ..وأخرى – وماأكثرها- هموم كالسموم..إن أغلقت عنها بابا فتحت آخر.. وإن قفلت عني .. أوصت أخواتها بي !! أساءل نفسي وقنا الهم يقرع القنا .. وموج الدموع حولها متناثرُ! هل سأصرع الهم ..أم يجثم فلا يرحل .. أو يختفي عن جواي فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان بعيد..شاب قلبي بهمي .. قبل أن يفرح بشبابه .. ويح نفسي ويحها..!!
هكذا يوم الرحيل ...
كنتُ أحملها على كتفي مع ثلاثة من الرجال، لنحط جسدها تحت الثرى، وكنتُ أنهنه دموعاً حرى أفلتت بحرقة من عينيّ، طالعتُها وهي تُوسَّدُ ثراها، وفي بيتها البرزخي، فانثالت على ذاكرتي عشرات المواقف الجميلة التي التقّطَتْها ذاكرتي لها..
رمقت القبر رمقة مودعٍ باكٍ حزين.. أخذتُ حثناتٍ من تراب، لأغطيها بها، فاختطلت بماء عيوني الذي يأبى إلا أن يسلك طريقه! وداعاً جدتي..
وداعاً أيتها البسمة المنثالة.. وداعاً أيها الحب الطري الذي يسري في عروقنا جميعاً.. أرى طيفك في ركن صالتنا، وأنتِ تسامريننا، وتضفين على مكاننا عبق كلامكِ وعبق حضوركِ..
أرى هديتكِ الغالية على قلبي والتي أقسم ألا أنساها.. تلك الهدية التي أعطيتنيها يوم زواجي.. وأنتي تلثمينني.. وتبكين! وإن نسيتُ فلن أنسى جسدك بهزاله، حينما اخترمتكِ الأمراض والسنون، فصرتُ لا أستطيع أن أضع عيني عليكِ رأفة ورحمة.. يوم مُلّحَّفُ بالسواد.. هو يوم العزاء، العزاء لي أنا! العزاء لكم أيها الباكون..
العزاء لبناتك ومحبيك.. وفي يوم الوداع، لثمتُكَ - خالي العزيز- دعوت الله أن يجبر عزاءك بأمِّنا.. وبكيتك أنتَ أيضاً كنتُ أراك وأنت تحملها من مكان إلى مكان.. كنتَ تحملها بين يديك كطفل صغير.. كنت حاناً باراً بها.. مَلأتّ عليها أرجاء دارك.. كأني أراك وأنت تدخل بيتَك بعد رحيلها.. تنظر أثر مكانها.. وطيف خيالها.. كلامها الخافت المثقل بالمرض.. كأني أراك وأنت تسقط على فراشها الخالي.. تلثمه.. وتبكي بحرقة.. لقد رَحَلتْ عن دنيانا.. لكنها باقية بقلوبنا.. عزاؤنا أننا كلنا راحلون.. وإلى الدار الآخرة سائرون.. وداعاً جدتي..!!
راندي باوش.
يتجافون في فرشهم يؤرقهم ألم حبّ.. أو طعنة مرض .. أو آهة حزن.. ووحدهم التواقون للمعالي من يُمهرون القراءة سهر الليالي .. ومن يتقلبون على حصير الصبر .. ويتجرعون صبر السنين.. ليسعدوا بتاج المعرفة مزدانة به رؤوسهم .. وكلما فترت همة (الفتى) أضاءت له قصة راندي باوش حينما أتى لأمه شاكيا هم مرحلة الدكتوراه, فقالت له: كان والدك في مثل سنّك محاربا للألمان..!
في عالم المثل العليا: وجّه بصيرتك على من علت همته .. فطال همّه ..!!
في عالم المثل العليا: وجّه بصيرتك على من علت همته .. فطال همّه ..!!
عاهةٌ تفجر إبداعاً...!
لاتجعل من عاهتك أو خوفك أو نقصك عقبة في طريق إبداعك فكثير من المبدعين في مجالاتهم قد جعلوا من محنهم منحا تقودهم لمرادهم فهتلر الذي هز العالم براجماته , كانت تخيفه الفأرة , والرافعي الذي شوى العقاد على سفوّده كان أصما, وكان الجنون تهمة وُصم بها (أنشتاين) فردّ على العالم بنسبيّته, ولو لم يكن (مانديلا) أسودا لما طارت شهرته في آفاق الحرية ..!
ظلّ يقاسي حبي...
يركض في مضمار قلبي, وأسمع صوته كتغريدة طير في صباح جميل.بطلّته أنشُدالسكينة,وبهمسته تعروني مشاعرُ يرقص لها القلم,أراسله فيعذبني بصمته.. أهاتفه فتنطق نغمة جواله بألا وصال في هذه الساعة..يكسر قلبي المتخم به, فيرمم الأشلاء المتناثرة برؤيته التي يسألني فيها: أين أنت؟ وكأنني لم أطرق كلّ زاوية باحثا عن رائحة حبه .. أحبه لكنّه سادي يجيد فن التعذيب ..! فاقرأ حروفيلتسعد كثيرا أيها السادي..!
من وحي مَعْرِضِ الكتاب قُرَّاءٌ أم مُتَسَوِّقُون؟
تلك الجموع التي حطَّت رحالها في معرِض الكتاب تجعلنا مستفهمين كما استفهم الكاتب «شتيوي الغيثي» في إحدى تغريداته التي قال فيها: «هل يقرؤون أم هي مجرد حالة استهلاكية؟».
والمتطلعون للمعارف لا يريدون من معارض الكتب أن تكون مركزاً هدفه الالتقاء بالأصدقاء، والنظر في وجوه المشاهير، واقتناء بعض الروايات التي لن تعرف طريقها للقراءة. وإنما يريدون من هذا السواد العظيم الذي ملأ أرجاء المكان أن يكون همه القراءة، وغايته الثقافة، وسلاحه النهم بالمعرفة. وتلك الاحتفائية الكبيرة بعالم المكتبة والكتاب، تشد من عزمنا وإصرارنا بأن نكون أمة قارئة ترتقي بأفكارها، لا أمة فخورة بملء حُجُرات بيوتها بالكتب وأرواح أهليها خواءٌ جوفاء. وما تركت أمةٌ القراءة إلا أذلها الله بالهوان والذلة والمسكنة. وكيف نرجو رفعة وسمواً وحظنا من متوسط القراءة لا يزيد عن ست دقائق في العام الواحد؟!! وكثيراً ما تساءلتُ عن هذا الجدْب والقحط والانصراف عن دنيا القراءة، ذلك الجدب الذي جعلنا لقمة سائغة في أفواه المبتلَين بالسُّعار المالي الذين أطلقوا تدريباتهم لإيقاظ العملاق وإطلاقه، وأرباب القراءة السريعة، الذين لم نعرف مؤلفات كثير منهم أو نرَ عمالقتهم مطلقة بين الناس وتمشي في الأسواق!! ياترى! هل في العرب جيناتٌ تمنعهم من القراءة، ولم ذاك العزوف عن مرابع العلم، وتكايا المعرفة؟! هذه الأسئلة الملِحَّة تجعلنا أمام أشياء كثيرة لهذا الانصراف عن عوالم الحرف، ليس من بينها الفقر الذي يعوِّل عليه كثير ممن كتب عن هذا الهروب، ذلك أنَّ مجتمعنا الخليجي مجتمع يرفل بالنعمة والعافية، ولكنه يمتاح من بحور كثيرة غير بحر القراءة الذي لا ساحل له. وقديماً قالوا بأن «الفقر تحت عمائم الفقهاء» وهم الذين لم يمنعهم فقرهم عن تمايلهم طرباً لحل عوائص المسائل، ولسنا بمنأى عن المقولة التي تبيِّن بأن «الأدب لا يُؤكل عيشًا»، ومن الأدباء فقير قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما تنكبوا طريق المعرفة أو حادوا عنها. والحقُّ أن القراءة موهبة يزرعها الله فيمن يشاء من عباده، ولو سُطِّرت الكتب والمقالات في القراءة والتحبيب لها، لما صار لها أثر في إنسان لم تُخلق فيه هذه الموهبة، وإنما يُكتب ما يُكتب لمن تخبو في وجدانهم جذوة القراءة، فيأتي من يثيرها ويشعلها، وكم رأينا من آباء نهمة في القراءة، لا يخرجهم من مكتباتهم إلا داعي الصلاة أو النوم أو الموت، ولهم أبناء جمعوا من الفهاهة والحمق والخرق من لو وزع على أهل الأرض لكفاهم! وكيف نقول للناس: اقرؤوا وهم من موهبة القراءة براء، وهل رأيتَ من يحاضر أمام جمع من الشباب عن أهمية كرة القدم وطريقة تسجيل أهدافها، وهم لا يملكون أدواتها وآلاتها؟! ومع هذا كلِّه فهناك أسباب فرعية أدت إلى ضمور المحبة للقراءة، وأحسب أنَّ منها قصص الهمة التي تُثبِّط الهمة، كمن يروي للناشئة أن فلاناً يقرأ في يومه ما يربو عن العشرين ساعة! أو كمن يروي أنَّ من شروط القراءة الجادة العزوف عن الناس والانكفاء على النفس. ومثل هذه الأخبار التي تَفتُّ من عضد الشباب، وتورث في نفوسهم الاحباط، وتوهن من عزائمهم لا تصنع إلا بيئة طاردة عن هذه المملكة القرائية، وليس ببعيد عن هذا، المقولة التي توصي بأن تقرأ كل ما يقع بين يديك..! وقد رأيتُ أحدهم وقد ابتدأ حياته القرائية بكتاب «قصة الحضارة» ثم تنكب وانتكس؛ لأنه عرف من تلك المقولة أن القراءة فوضى خلاَّقة أو غير خلاَّقة أينما توجهت لها أتتك بخير، وهل ثمة ثقافة تأتي بغير التدرُّج! وكيف نريد من أمتنا أن تكون أمة قارئة ونحن مازلنا نكافح الأمية والتصحر العقلي، وكيف لنا أن نكون أمة ترقى كلما قرأت ونحن في هرم الأوليَّات متنكسون منتكسون، وأدَّى ذلك إلى ضعف في مخرجات التعليم، وإلى فقد الثقة بالنفس ولو أردت أن تعرف حجم انحطاط الثقة بالنفس، فانظر إلى العيِّ والخطل والعجز عن الكلام في كل مقابلة فضائية يكون أبطالها أحد من شبابنا. والقراءة جزء من التربية التي توقظ في نفوس الأبناء مواطن الموهبة. وتربية بلا قراءة تربية يكتنفها النقص. وعلى المربِّين أن يعلِّموا من تحت أيديهم الهدف من الكتاب والغاية من القراءة. ولعمري! كيف لك أن تُقنع من أسَرَّ في نفسه أو أبدى مكنونه بأنه لن يقرأ؛ لإحساسه بالقناعة والاكتفاء الذاتي؟! وعارٍ على أمة «اقرأ» أن تكون القراءة في ذيل الأوليات وربما هي خارجها. ولن يكون لعقلك الحياة حتى تبث فيه روح الحرف. وأخيراً: «إن الكتاب وهو ملقى على الرف أشبه بالجسم الميِّت تدب فيه الحياة إذا ما امتدت له يد القارئ» كما يقول ساتر |
تلك الجموع التي حطَّت رحالها في معرِض الكتاب تجعلنا مستفهمين كما استفهم الكاتب «شتيوي الغيثي» في إحدى تغريداته التي قال فيها: «هل يقرؤون أم هي مجرد حالة استهلاكية؟».
والمتطلعون للمعارف لا يريدون من معارض الكتب أن تكون مركزاً هدفه الالتقاء بالأصدقاء، والنظر في وجوه المشاهير، واقتناء بعض الروايات التي لن تعرف طريقها للقراءة. وإنما يريدون من هذا السواد العظيم الذي ملأ أرجاء المكان أن يكون همه القراءة، وغايته الثقافة، وسلاحه النهم بالمعرفة. وتلك الاحتفائية الكبيرة بعالم المكتبة والكتاب، تشد من عزمنا وإصرارنا بأن نكون أمة قارئة ترتقي بأفكارها، لا أمة فخورة بملء حُجُرات بيوتها بالكتب وأرواح أهليها خواءٌ جوفاء. وما تركت أمةٌ القراءة إلا أذلها الله بالهوان والذلة والمسكنة. وكيف نرجو رفعة وسمواً وحظنا من متوسط القراءة لا يزيد عن ست دقائق في العام الواحد؟!! وكثيراً ما تساءلتُ عن هذا الجدْب والقحط والانصراف عن دنيا القراءة، ذلك الجدب الذي جعلنا لقمة سائغة في أفواه المبتلَين بالسُّعار المالي الذين أطلقوا تدريباتهم لإيقاظ العملاق وإطلاقه، وأرباب القراءة السريعة، الذين لم نعرف مؤلفات كثير منهم أو نرَ عمالقتهم مطلقة بين الناس وتمشي في الأسواق!! ياترى! هل في العرب جيناتٌ تمنعهم من القراءة، ولم ذاك العزوف عن مرابع العلم، وتكايا المعرفة؟! هذه الأسئلة الملِحَّة تجعلنا أمام أشياء كثيرة لهذا الانصراف عن عوالم الحرف، ليس من بينها الفقر الذي يعوِّل عليه كثير ممن كتب عن هذا الهروب، ذلك أنَّ مجتمعنا الخليجي مجتمع يرفل بالنعمة والعافية، ولكنه يمتاح من بحور كثيرة غير بحر القراءة الذي لا ساحل له. وقديماً قالوا بأن «الفقر تحت عمائم الفقهاء» وهم الذين لم يمنعهم فقرهم عن تمايلهم طرباً لحل عوائص المسائل، ولسنا بمنأى عن المقولة التي تبيِّن بأن «الأدب لا يُؤكل عيشًا»، ومن الأدباء فقير قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما تنكبوا طريق المعرفة أو حادوا عنها. والحقُّ أن القراءة موهبة يزرعها الله فيمن يشاء من عباده، ولو سُطِّرت الكتب والمقالات في القراءة والتحبيب لها، لما صار لها أثر في إنسان لم تُخلق فيه هذه الموهبة، وإنما يُكتب ما يُكتب لمن تخبو في وجدانهم جذوة القراءة، فيأتي من يثيرها ويشعلها، وكم رأينا من آباء نهمة في القراءة، لا يخرجهم من مكتباتهم إلا داعي الصلاة أو النوم أو الموت، ولهم أبناء جمعوا من الفهاهة والحمق والخرق من لو وزع على أهل الأرض لكفاهم! وكيف نقول للناس: اقرؤوا وهم من موهبة القراءة براء، وهل رأيتَ من يحاضر أمام جمع من الشباب عن أهمية كرة القدم وطريقة تسجيل أهدافها، وهم لا يملكون أدواتها وآلاتها؟! ومع هذا كلِّه فهناك أسباب فرعية أدت إلى ضمور المحبة للقراءة، وأحسب أنَّ منها قصص الهمة التي تُثبِّط الهمة، كمن يروي للناشئة أن فلاناً يقرأ في يومه ما يربو عن العشرين ساعة! أو كمن يروي أنَّ من شروط القراءة الجادة العزوف عن الناس والانكفاء على النفس. ومثل هذه الأخبار التي تَفتُّ من عضد الشباب، وتورث في نفوسهم الاحباط، وتوهن من عزائمهم لا تصنع إلا بيئة طاردة عن هذه المملكة القرائية، وليس ببعيد عن هذا، المقولة التي توصي بأن تقرأ كل ما يقع بين يديك..! وقد رأيتُ أحدهم وقد ابتدأ حياته القرائية بكتاب «قصة الحضارة» ثم تنكب وانتكس؛ لأنه عرف من تلك المقولة أن القراءة فوضى خلاَّقة أو غير خلاَّقة أينما توجهت لها أتتك بخير، وهل ثمة ثقافة تأتي بغير التدرُّج! وكيف نريد من أمتنا أن تكون أمة قارئة ونحن مازلنا نكافح الأمية والتصحر العقلي، وكيف لنا أن نكون أمة ترقى كلما قرأت ونحن في هرم الأوليَّات متنكسون منتكسون، وأدَّى ذلك إلى ضعف في مخرجات التعليم، وإلى فقد الثقة بالنفس ولو أردت أن تعرف حجم انحطاط الثقة بالنفس، فانظر إلى العيِّ والخطل والعجز عن الكلام في كل مقابلة فضائية يكون أبطالها أحد من شبابنا. والقراءة جزء من التربية التي توقظ في نفوس الأبناء مواطن الموهبة. وتربية بلا قراءة تربية يكتنفها النقص. وعلى المربِّين أن يعلِّموا من تحت أيديهم الهدف من الكتاب والغاية من القراءة. ولعمري! كيف لك أن تُقنع من أسَرَّ في نفسه أو أبدى مكنونه بأنه لن يقرأ؛ لإحساسه بالقناعة والاكتفاء الذاتي؟! وعارٍ على أمة «اقرأ» أن تكون القراءة في ذيل الأوليات وربما هي خارجها. ولن يكون لعقلك الحياة حتى تبث فيه روح الحرف. وأخيراً: «إن الكتاب وهو ملقى على الرف أشبه بالجسم الميِّت تدب فيه الحياة إذا ما امتدت له يد القارئ» كما يقول ساتر. |
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
















































